حسن حنفي

146

من العقيدة إلى الثورة

شاملا موجودا في مصدر معين أو كصفة للمؤله المشخص فإنه يكون غير العلم الانساني . ولا يعنى عدم اكتمال العلم الانساني أنه غير علم أو أنه ناقص أو أنه جهل . وكثيرا ما يحدث الفعل دون علم عامل بالتفاصيل حيث تترك التفاصيل لسرعة البديهة أو للمواقف الفجائية أو للقدرة على التكيف ساعة الفعل . بل إن طبيعة العلم الانساني أنه علم شامل ، والعلم الشامل هو علم بالكليات . ولو كان الانسان قادرا على العلم بالتفاصيل لكان قادرا على خلق كل شيء . أما أفعال النائم والساهي فهي ليست أفعالا مثالية ، الفعل المثالي هو الفعل المروى المقصود . ومن ثم كانت أفعال النائم والساهي لا تدل على نقص في العلم بتفاصيل الفعل لأنها أساسا ليست أفعالا . والعجيب أن تقوم بعض الحركات الاصلاحية على اثبات هذا الفعل غير المروى الّذي يحدث على غير قصد الانسان وكأن الاصلاح يحدث عفويا بدون قصد الانسان ، وكأن التغيير ما هو الا من قبيل المصادفة « 254 » . وما الحكمة في وضع المتكلم الأشعري الانسان

--> ( 254 ) كما يشهد بذلك في نفسه يشهده أيضا في بنى قومه كافة من كانوا في مثله في سلامة العقل والحواس ومع ذلك فقد يريد ارضاء خليل فيغضبه ، وقد يطلب كسب رزق فيفوته ، وربما سعى إلى منجاة فسقط في مهلكة فيعود باللائمة على نفسه ان كان لم يحكم النظر في تقدير قوله ، ويتخذ من خيبته أول أمره مرشدا له في الآخر فيعاود العمل عن طريق أقوم وبوسائل أحكم ، ويتقد غيظه على من حال بينه وبين ما يشتهى ان كان سبب الاخفاق في السعي منازعة منافس له في مطلب لوجدانه من نفسه أنه الفاعل في حرمانه فينبرى لمناضلته ، وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك ان لم يكن لتقصيره أو لمنافسة غيره فيما لقى من مصير عمله كأن هب ريح فأغرق بضاعته أو نزلت صاعقة فأغرقت ماشيته أو علق أمله بمعين فمات أو بذى منصب فعزل . يتجه من ذلك إلى أن في الكون قوة أسمى من أن تحيط بها قدرته ، وأن وراء تدبيره سلطانا لا تصل إليه سلطته . فإن كان قد هداه البرهان في تقويم الدليل إلى أن حوادث الكون بأسره مستندة إلى واجب وجود واحد يعرفه على مقتضى علمه وارادته خشع وخضع ورد الامر إليه فيما لقى . ولكن مع ذلك لا ينسى نصيبه فيما بقي . فالمؤمن كما يشهد بالدليل وبالعيان أن قدرة مكون الكائنات أسمى من قوى الممكنات يشهد بالبداهة أنه في أعماله الاختيارية عقلية كانت أو جسمانية قائم بتصريف ما وهب الله له من المدارك والقوى فيما خلقت لأجله . وقد عرف القوم شكر الله على نعمه فقالوا : هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله . على هذا قامت الشرائع . وبه استقامت التكاليف ، ومن أنكر شيئا منه فقد أنكر مكان الايمان من نفسه وهو عقله الّذي شرفه الله بالخطاب في أوامره ونواهيه ، الرسالة ص 59 - 60 .